search-form-close

الدينامية الثورية وتغيير الشرعية في الجزائر

  • facebook-logo twitter-logo

مساهمة: دخلت الجزائر منذ 22 فيفري، مرحلة ثورية ستٌأسس لنظام حكم جديد. المرحلة الثورية هي طورٌ يتم خلاله التعبير، من طرف كامل المجتمع، عن تغيير للشرعية لا يقوى عنف الدولة على إسكاته. لأسباب تاريخية، استمدت الدولة الجزائرية ومؤسساتها سلطتها من الجيش، الذي عمل دائما على استقطاب النخب المدنية، في إطار نظام الحزب الواحد قبل 1988 ثم في إطار الانتخابات المزورة بعد 1992. على هذا النحو، تقوم قيادة الجيش باختيار الرئيس، في حين تقوم أداتها السياسية، ممثلة في مديرية الاستعلام والأمن (DRS)، بصوغ الحقل السياسي عن طريق اختراق أحزاب المعارضة، النقابات، الصحافة …الخ، لأجل إخضاعها للقاعدة الضمنية وغير المكتوبة للنظام: الجيش هو وحده مصدر السلطة، وهو الجهة الوحيدة المانحة للشرعية.

ضمن مخطط كهذا، فإن سلطة الرئيس لا تأتي من الشرعية الانتخابية بل من الدعم الذي يتلقاه من الجيش الذي عيّنه لشغل منصب رئيس الدولة. ورغم ما يمنحه الدستور لهذا الأخير من صلاحيات مرتبطة بالمنصب إلا أن الرئيس في الواقع، لا يقوم إلا بإقرار التوجهات التي وضعتها القيادة العسكرية العليا. ليست الرئاسة سوى المؤسسة التي تمرّ عبرها القرارات المتخذة في وزارة الدفاع، لتكلف مختلف الوزارات فيما بعد بتطبيقها وتعمل أحزاب الإدارة،( جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي)، على تبريرها. لذا فإنه من الأهمية بما كان، بالنسبة للقيادة العسكرية العليا، أن تختار لمنصب الرئيس شخصا مطيعا وخاضعا على استعداد تام لقبول هذا المخطط، وأكثر ما تخشاه هو أن تجد نفسها في مقابل أردوغانٍ يسلبها سلطة منح الشرعية.

يُبين التاريخ كيف أنه من مجموع أربعة رؤساء تقلدوا المسؤولية بعد بومدين، اثنان منهم أجبرا على الاستقالة بعد أن تعرضا للتهديد الجسدي (الشاذلي بن جديد واليامين زروال) في حين تعرض واحد منهم للاغتيال (محمد بوضياف). أما بقاء بوتفليقة في المنصب لعشرين سنة، فيعود لقبوله هيمنة العسكري على المؤسسات، مع سعيه الدائم إلى محاولة ضرب الجنرالات ببعضهم البعض.

في 2003، وبعد أن صرح في إحدى خطاباته بأن “14 جنرالا يسيطرون على التجارة الخارجية”، قامت مديرية الاستعلامات والأمن (DRS) بمنع بوتفليقة من مخاطبة الجزائريين مباشرة. لم يكن ذلك التصريح يليق برئيس، لقد تكلم مثلما يتكلم أيّ مواطن عادي شاكيا وهو يجلس في إحدى مقاهي العاصمة. في الحقيقة، إن الدياراس هي الجهة التي تقف وراء تلك الدعاية التي روجت ومفادها أن بوتفليقة نجح في فرض نفسه على الجنرالات. لم تكن مهمة مديرية الاستعلام والأمن سوى إظهار الجنرالات وكأنهم واقعون تحت أوامر رئيس تحوّل إلى متسلط، بهدف إخفاء والتغطية على آليات حيازة الشرعية من طرف القيادة العسكرية العليا، التي لم يسبق لها وأن كانت بالقوة التي صارت تتمتع بها تحت حكم بوتفليقة.

في بلد لا تتمتع فيه العدالة بالاستقلالية، لا يعتبر تجميع عائلة وأصدقاء بوتفليقة لثروات طائلة أمرا غريبا ومفاجئا، كما أن القدرة على سرقة أموال الدولة ليس هو السلطة ولا يعني كذلك امتلاك السلطة. وجب إدراك أن الرئيس في الجزائر (بوتفليقة على وجه خاص) لا يحق له ترقية الضباط السامين والتدخل في توازنات القيادة العسكرية، أو السعي إلى إيجاد حلّ لمسألة الصحراء الغربية، أو رسم السياسات مع فرنسا. ليس هو أيضا من يعين الوزير الأول، ولا وزراء الخارجية، الداخلية والعدالة. كما أن توزيع الريع البترولي في ميزانية الدولة بين مختلف الوزارات يقع خارج إطار مسؤوليته.

إن الحالة المرضية الثقيلة لبوتفليقة منذ 2013 دليل إضافي على أن الرئيس الجزائري لا يتمتع إلا بدور رمزي. هو مجرد دمية -أصبحت مدعاة للشفقة بسبب المرض- بين أيدي صناع القرار الذين يجتمعون بانتظام لتقييم الوضع السياسي في البلد ويتخذوا قرارات ترسل فيما بعد إلى الرئاسة قصد تطبيقها. لا يمكن أبدا للإجراءات الأخيرة التي أعلنت الاثنين 11 مارس أن تكون قد اتخذت من قِبل شخصٍ يعي بالكاد حالته.

هذه البنية السياسية للدولة قد بلغت حدودها القصوى أمام مجتمع أصبح أكثر تطلبا وتعليما. من الآن فصاعدا، لم يعد بالإمكان أن تقبل الأجيال الصاعدة بتسيير الدولة من طرف دوائر خفية مرتبطة بوزارة الدفاع. إنها تريد تطبيق مشروع عبان رمضان الذي دفع حياته ثمنا له، و ميثاق مؤتمر الصومام الذي ينص على أولوية المدني على العسكري.

رد الجنرالات على هذه المطالب بمحاولة التحايل عليها وهذا بتمديد العهدة الرابعة واقتراح مشروع تحول يقوده شخصيات مدنية يتحدثون باسم الجنرالات. إذا كانت السياسة في كل دول العالم عبارة عن 80 % من التوافق، و 10% من الحيلة، و 10% من العنف، فإنها لدى الجنرالات الجزائرية مقسمة كما يلي: 48 % حيلة، 48 % عنف، و الباقي توافق.

ولكن هذه المرة، لن يعود الشباب المتظاهرون إلى بيوتهم إلا بعد تغيير الشرعية، ويقف معهم التاريخ، المجتمع وجزء من الجيش الذي لا يوافق على الخيارات السياسية للجنرالات. إنهم يريدون تغيير في شرعية السلطة العمومية ولا شيء بإمكانه أن يمنعهم من تحقيق هذا الهدف ؛ سيجبرون الجنرالات على التوقف عن اختيار الرئيس والنواب بدل الشعب. إن الشباب المتظاهرين ليسوا ضد المؤسسة العسكرية، بل يريدون أن يصبحوا فخورون بها، و هذا ما عبر عنه شعار ” ديش شعب، خاوة خاوة ”. إنه يريدون جيشا عصريا، جمهوري، مُطهر من الجنرالات صناع الملوك. يريدون جيشا يخضع للسلطة المدنية التي يمارسها منتخبو الشعب. الشباب المتظاهرون أظهروا نضجا أعلى من نضج الجنرالات، حينما هتفوا بأن الجيش ملك للشعب وليس ملكا للقيادة العسكرية التي صنعت نظاما سياسيا فاسدا.

دخلت الجزائر في مرحلة ثورية تذكرنا بالثورة الفرنسية، الروسية والإيرانية. إنها ثورة لتغيير الشرعية السياسية، والنظام السياسي القائم لا يمكنه تحويلها أو الوقوف في وجهها. إذا أخطأ الجنرالات واستخدموا العنف ضد المتظاهرين، فإن وحدة صف الجيش سوف تتعرض للخطر لأن الكثير من الضباط يقفون في صف الشباب المتظاهر. سيكون من الأفضل أن لا يقف النظام ضد مطالب تغيير شرعية مؤسسات الدولة. لهذا الغرض، يجب على أصحاب القرار أن يقبلوا بالطابع العمومي للسلطة الدولة، و يطلبوا من الجهة التي تمارس مهام الرئيس أن تستقيل فورا، ليتم تعيين هيئات انتقالية تمارس وظيفة رئاسة الدولة. إن شخصيات مثل زبيدة عسول، مصطفة بوشاشي، كريم طابو مدعوة لأن تشارك في ممارسة صلاحيات هيئة رئاسية جماعية تقوم بتشكيل حكومة مؤقتة لتصريف الأعمال وتحضر لانتخابات رئاسية وتشريعية بين فترة زمنية تتراوح بين الستة أشهر إلى سنة. يجب أن يساعد الجنرالات في تنفيذ هذا السيناريو، وأن يعلنوا للمرة الأخيرة بأن الجيش ملك للشعب وليس العكس.

*لهواري عدي أستاذ علم الاجتماع