search-form-close

ورقة طريق تكميلية للمساهمة في تنظيم المرحلة الانتقالية

  • facebook-logo twitter-logo

*عبد المجيد زعلاني

مساهمة: سبق أن كتبنا في ورقة طريق مقترحة لتنظيم المرحلة الانتقالية، منشورة في TSA أن مرحلة الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية تبتدئ عند تاريخ 27/04/2019 مساء الموافق لنهاية العهدة الرئاسية الخماسية التي شرع فيها بتاريخ 28/04/2019 وهو التاريخ الذي أدى فيه السيد رئيس الجمهورية المستقيل اليمين الدستورية بعد إعلان المجلس الدستوري فوزه في الانتخابات الرئاسية المنظمة بتاريخ 17/04/2014.

وقد أكدنا في هذه الورقة أن الطريق الأمثل دستوريا وفي الواقع لخروج السيد رئيس الجمهورية نهائيا من مركزه بهذه الصفة هو أن يقدم استقالته وهذا تطبيقا للمادة 102 الفقرة 4 من الدستور التي وفقا لها ” في حالة استقالة رئيس الجمهورية أو وفاته، يجتمع المجلس الدستوري وجوبا ويثبت الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية”. وإثر ذلك يتولى رئيس مجلس الأمة مهام رئيس الدولة وفقا للإجراءات المحددة في الدستور وبالذات في المادة 102 منه التي وفقا لها “تبلغ فورا شهادة  التصريح بالشغور النهائي إلى البرلمان الذي يجتمع وجوبا” و”يتولى رئيس مجلس الأمة مهام رئيس الدولة لمدة أقصاها تسعون (90) يوما تنظم خلالها انتخابات رئاسية“.

ولغاية هذه الساعة تمت كل المرحلة السابقة وفق ما جاء في ورقة الطريق المذكورة. وهكذا فقد سلم السيد رئيس الجمهورية السابق للسيد رئيس المجلس الدستوري رسالة انتهاء عهدته الرئاسية أو بلغة القانون استقالته من منصبه كرئيس للجمهورية الجزائرية ابتداء من تاريخ الثلاثاء 02 افريل 2019 مقلصا بذلك المرحلة الانتقالية بحوالي 25 يوما الباقية رسميا من مدة عهدته الرئاسية. وفي اليوم الموالي أي بتاريخ 03/04/2019 اجتمع المجلس الدستوري عملا بالفقرة 4 من المادة 102 من الدستور وأثبت الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية وبلغ شهادة التصريح بالشغور النهائي إلى البرلمان. وفي يوم 04/04/2019 اجتمع مكتبا الغرفتين المكونتين للبرلمان أي مجلس الأمة والمجلس الشعبي الوطني لتحضير اجتماع البرلمان وتحديد النظام الداخلي لهذا الاجتماع والذي انعقد بتاريخ 9 افريل 2019 وبعد أخذ العلم بشهادة التصريح بالشغور النهائي لمنصب رئيس الجمهورية المبلغة له من طرف المجلس الدستوري تم في نهاية اجتماعه إعلان تولي السيد رئيس مجلس الأمة مهام رئيس الدولة لمدة أقصاها تسعون (90) يوما تنظم خلالها انتخابات رئاسية.

لكن هذا الحل الذي تحدده المادة 102 من الدستور لمشكلة شغور منصب رئيس الجمهورية قد يلاقي بعض الصعوبات على المستوى العملي، لأسباب عدة منها أن السيد رئيس الدولة لا يتمتع بنفس سلطات رئيس الجمهورية في وقت هو في أشد الحاجة إليها.  ويفرض الحاجة لهذه السلطات بوجه خاص الوضع الحالي في الجزائر المتميز بكون قيادات الهيئات الدستورية الأساسية هي تقريبا كلها محل منازعة شعبية كبيرة وهذا من خلال ما عبر عنه الشعب في مسيراته الأسبوعية الكبرى التاريخية.

وبالفعل أثار تطبيق المادة 102 من الدستور من هذه الزاوية بالذات نقاشا واسعا على مختلف الأصعدة وفي دوائر مختلفة في المجتمع الجزائري سلطة وشعبا. بل أكثر من ذلك ظهرت اتجاهات أخرى تنادي بتطبيق حلول سياسية بعيدة كليا عن الدستور كون المادة 102 من الدستور حسب هذه الاتجاهات تجاوزتها المطالب الشعبية بضرورة تنحي كل عناصر رموز نظام الحكم السائد في عهد الرئيس المستقيل من أجل الانتقال لبناء جمهورية جديدة.

وقد انحاز الجيش الوطني الشعبي مع الشعب وتجاوبت قيادته مع مطالبه معتبرة عن صواب أن الدستور كفيل بتحقيقها وأن الحل الأمثل لتنظيم المرحلة الانتقالية الناتجة عن استقالة رئيس الجمهورية السابق يكمن في احترام الدستور على أن تضاف للمادة 102 من الدستور مواد أخرى كالمادتين 7و8 المعبرتين عن سلطة الشعب وسيادته وكيفية ممارستها. الأمر الذي سيسمح بإجراء كل التغييرات المطلوبة شعبيا سواء المتعلقة منها بالأشخاص وخاصة منهم أولئك المتواجدين في قيادات المؤسسات الدستورية الأساسية وفي تشكيلة الحكومة أو الخاصة بالقوانين ذات الصلة بتنظيم هذه المرحلة المؤدية لانتخاب رئيس الجمهورية.

لكن السؤال يبقى مطروحا عن مدى كفاية العدة القانونية السارية المفعول، التي تحدد اختصاصات رئيس الدولة لإجراء التغييرات اللازمة لتنظيم انتخابات رئاسية بكامل الشفافية والنزاهة بما يستجيب للإرادة الشعبية في تحقيق الانتقال الديموقراطي. ذلك هو موضوع هذه الورقة التكميلية لورقة الطريق السابق ذكرها والتي سنتناول فيها اختصاصات رئيس الدولة في ثلاثة مجالات متعلقة بتغيير الوزير الأول وأعضاء الحكومة وكذلك رئيس المجلس الدستوري وأعضائه ثم اختصاصاته في إحداث هيئة عليا مستقلة لتنظيم الانتخابات ومراقبتها.

اختصاصات رئيس الدولة فيما يتعلق بتعيين الوزير الأول وأعضاء الحكومة

ثارت نداءات ترمي لتغيير الحكومة التي تشكلت في عهد الرئيس المستقيل وهذا على الأقل جزئيا وفيما يخص بالذات الوزير الأول وبعض أعضاء الحكومة الذين ولأسباب مختلفة، لم ينالوا رضا الشعب فما هي السلطات التي يمكن أن يمارسها رئيس الدولة طبقا للدستور فيما يتعلق بهذه المسألة؟

يلاحظ فيما يخص هذه المسألة أنه قد ساد في النقاش الواسع الدائر في الآونة الأخيرة على مختلف الأصعدة وفي دوائر مختلفة في المجتمع الجزائري بما في ذلك على لسان بعض القانونيين رأي مفاده أن الدستور لم يترك لرئيس الدولة المعين طبقا للمادة 102 منه إلا مجالا محدودا جدا من الحركة لا يسمح له بإجراء مثل هذه التغييرات. وإذا كان هذا الرأي لا يبتعد كثيرا عما يمكن الوصول إليه من نتائج من خلال قراءة أولية لأحكام الدستور إلا أنه ينطوي أيضا على استنتاجات يبدو أنها غير متفقة مع مبادئ التفسير الصحيح للقانون والقراءة المتأنية لمواد الدستور المتعلقة بهذا الموضوع.

من المعلوم أن مقتضيات الاستقرار دفعت بمحرري الدستور أن يحيطوا التغييرات الحكومية خلال فترة رئاسة الدولة بقيود تصل أحيانا المنع المطلق لأي تغيير. من ذلك مثلا المبدأ المقرر في المادة 104 من الدستور والذي بمقتضاه ” لا يمكن أن تقال أو تعدل الحكومة القائمة إبان حصول المانع لرئيس الجمهورية، أو وفاته أو استقالته، حتى يشرع رئيس الجمهورية الجديد في ممارسة مهامه”.

هناك مع ذلك استثناء صريح من هذا المبدأ تتضمنه الفقرة الثانية (2) من المادة 102 من الدستور والتي بعد أن نصت على أن “يستقيل الوزير الأول وجوبا إذا ترشح لرئاسة الجمهورية” أضافت ” ويمارس وظيفة الوزير الأول حينئذ أحد أعضاء الحكومة الذي يعينه رئيس الدولة”. ولكن هذا الاستثناء يبقى ضيقا ويندرج في نفس معنى الفقرة الأولى حتى في إطار هذا الاستثناء. ذلك أن سلطة رئيس الدولة تبقى مقيدة هنا ولا تتعدى اختياره من يقود الحكومة إلزاميا من بين أحد أعضائها. وبعبارة أوضح لا يمكن في حالة استقالة “الوزير الأول وجوبا إذا ترشح لرئاسة الجمهورية” أن يعين شخص آخر من طرف رئيس الدولة من خارج أعضاء الحكومة القائمة.

لكن خارج هذه النصوص الصريحة والخاصة بحالة معينة، يسترجع رئيس الدولة سلطته في تعيين الوزير الأول. فهذه السلطة يستمدها من المادة 91-5 من الدستور التي وفقا لها ومن بين السلطات التي يضطلع بها: “يعين الوزير الأول بعد استشارة الأغلبية البرلمانية وينهي مهامه”. ومن المعلوم أن هذه المادة باستثناء فقرتيها 7و8 لا تدخل باقي أحكامها مع الأحكام التي تقرر منع تطبيقها بموجب المادة 104 من الدستور خلال فترة ولاية رئيس الدولة. ومع ذلك وبالنظر لمنع إقالة أو تعديل الحكومة على رئيس الدولة كما سبق فإنه لا يستطيع ممارسة السلطة المتاحة له بموجب المادة 91-5 في تعيين الوزير الأول إلا في حالة قيام مانع يمنع هذا الأخير من ممارسة مهامه كما في حالة وفاته أو تقديم استقالته. هكذا يتبين بوضوح أن رئيس الدولة له في حالات محدودة نفس سلطات رئيس الجمهورية في مواجهة الوزير الأول.

لكن الحال يبدو مختلفا حينما يتعلق الأمر بسلطاته إزاء الأعضاء الذين تتشكل منهم الحكومة، فالمادة 93 من الدستور التي وفقا لما جاء في فقرتها الأولى ” يعين رئيس الجمهورية أعضاء الحكومة بعد استشارة الوزير الأول” مذكورة صراحة من بين المواد التي نصت عليها المادة 104 التي يمنع تطبيقها خلال فترة تولي رئيس مجلس الامة مهام رئاسة الدولة. وقد رأى بعض المفسرين في ذلك منعا مطلقا لرئيس الدولة من تعيين أعضاء الحكومة. والحقيقة أن الأمر ليس بهذه البساطة، ذلك أن التفسير العلمي والمنطقي الصحيح للقانون يقود حتما لتخفيف هذا الحكم لا سيما وأن الظروف التي يتم فيها هذا التفسير تدعونا إلى اتخاذ موقف أكثر مرونة. ولا شك ان السند الأساسي لهذا الموقف نجده في المادة 91-5 التي باستبعادها من بين النصوص التي يحكمها المنع الوارد في المادة 104 تقود منطقيا لاستبعاد المادة 93 من هذا المنع رغم إدراج  هذه الأخيرة ضمن نص المادة 104. وهناك على الأقل ثلاث حجج تدفع في هذا الاتجاه. فمن جهة أولى يصح التساؤل جديا عن السبب الذي جعل الدستور يعترف لرئيس الدولة بسلطة تعيين الوزير الأول عند الاقتضاء مثلا عند الاستقالة ولا يعترف له بسلطة أقل وهي سلطة تعيين أعضاء الحكومة أيضا عند الاقتضاء ألا يقتضي المنطق أن من يستطيع الأكثر يستطيع الأقل؟ ومن جهة ثانية لا يمكن تفسير وجود المادة 93 من بين الأحكام التي لا يمكن تطبيقها بموجب المادة 104 خلال فترة تولي رئاسة الدولة إلا كنتيجة لصياغة غير دقيقة ودليلنا في ذلك أن المنع الشامل لتطبيق هذه المادة بكل فقراتها يقود لمنع الوزير الأول من وظيفته الأساسية والرئيسية الأولى المنصوص عليها في الفقرة الثانية من هذه المادة والمتمثلة في تنسيق عمل الحكومة. ومن جهة ثالثة وربما هذه هي الصياغة التي تبدو الأصح يبدو أن فقرة فقط من هذه المادة وهي فقرتها الثالثة المتعلقة بإعداد الحكومة مخطط عملها تستحق أن يمنع العمل بها خلال فترة حكم رئيس الدولة لعدم الحاجة لوضع مثل هذا المخطط في هذه المرحلة الانتقالية. وكان أولى بمحرر الدستور أن يشير إلى المادة 93 فقرة 3 وليس للمادة برمتها. وبهذا التفسير المنطقي وبدون الحاجة لاستعمال آلية المادة 7 من الدستور استجابة لإرادة الشعب في التغيير يمكن إذن لرئيس الدولة تماما كما هو الشأن فيما يخص الوزير الأول تعيين أعضاء الحكومة ابتداء إذا لم يجد حكومة قائمة وقت توليه مهام رئاسة الدولة (وهذه الفرضية غير متحققة حاليا في الواقع نظرا لتعيين الرئيس المستقيل وزيرا أولا مع أعضاء حكومته) أو بعد استقالة هؤلاء جزئيا أو كليا لأسباب ذاتية إرادية أو لظرف خارجي ما (كما هو الحال بالذات حاليا مع مطالبة الشعب بتنحي الحكومة القائمة حاليا وخاصة الوزير الأول).

اختصاصات رئيس الدولة فيما يتعلق بتعيين رئيس المجلس الدستوري وأعضائه

تجدر الإشارة أولا إلى أن هناك عدة أسباب تؤيد ضرورة تنازل السيد رئيس المجلس الدستوري الحالي عن منصبه بهذه الصفة. فعلى الصعيد الذاتي ومن باب الأخلاق السياسية العالية، من مصلحة السيد رئيس المجلس الدستوري الحالي بل من واجبه الالتحاق برفيقة الرئيس المستقيل والذي رافقه وعمل معه منذ انتخابه رئيسا للجمهورية وطيلة عشرين سنة مضت. كما أن بقاءه في منصبه يتنافى موضوعيا مع مبدأ استقلالية هذه الهيئة الدستورية المؤكد عليها بشكل خاص بموجب المادة 182 من الدستور ويتناقض مع مبدأ الحياد الذي يجب أن يتحلى به رئيس المجلس الدستوري وأعضاؤه خاصة في هذه المرحلة الحاسمة التي تحضر فيها الانتخابات الرئاسية القادمة والتي تجعله يتحمل عبئا قد لا يطيقه. ولكن أكثر من ذلك هناك سبب موضوعي آخر لا شك أن السيد رئيس المجلس الدستوري يقدر خطورته وأهميته والذي يراه يتعاظم أمامه يوميا بقدر ازدياد مطالب الشعب ضد النظام السياسي القائم وذكر اسمه شخصيا من بين أسماء القياديين السابقين الذين يجب عليهم مغادرة مناصبهم وكذلك بقدر ما يستحقه الوطن والدولة من احترام والمجتمع من استقرار.

لكن من المعلوم أنه طبقا للمادة 183من الدستور، يعين رئيس الجمهورية رئيس المجلس الدستوري ونائبه وعضوين آخرين لمدة ثمان سنوات، فما هي سلطات رئيس الدولة فيما يتعلق بتغيير رئيس المجلس الدستوري والأعضاء المعينين من طرف رئيس الجمهورية السابق؟

إذا احترم السيد رئيس المجلس الدستوري المطلب الشعبي الملح وقدم استقالته فإن لرئيس الدولة بل يقع عليه تعيين شخص آخر توافقي كفء ومحل ثقة عند الشعب لرئاسة المجلس الدستوري. وإذا حدث شغور فيما يخص باقي الأعضاء المعينين من السيد رئيس الجمهورية السابق وقد يحدث ذلك لنفس الأسباب وخاصة منها الرفض الشعبي ويستحسن أن يتم ذلك نظرا للدور الحاسم الذي يلعبه المجلس الدستوري في العملية الانتخابية فإن لرئيس الدولة المعين أن يستبدلهم بأعضاء آخرين. ولرئيس الدولة السلطة الكاملة في ذلك باعتبار أن المادة 183 من الدستور المتضمنة سلطة رئيس الجمهورية في تعيين أربعة أعضاء من تشكيلة المجلس الدستوري، غير مذكورة من بين الأحكام المستبعدة التطبيق بموجب المادة 104 من الدستور خلال فترة تولي مهام رئاسة الدولة. وكل هذا يتم في إطار احترام أحكام الدستور أيضا فيما يخص مدة العضوية والتي هي طبقا لنفس المادة 183 من الدستور كما سبق ثماني (8) سنوات. فالتغيير المنتظر لا يتم مبدئيا إلا إثر شغور المنصب مثلا بالاستقالة وليس بالإقالة اللهم إذا تقرر الاعتماد على أحكام المادتين 7و8 من أجل إجراء تغييرات جذرية استجابة للإرادة الشعبية فيمكن في هذه الحالة استبدال كل الأعضاء المعينين من طرف رئيس الجمهورية السابق. وعلى العموم فإن الأسباب التي ذكرت وخاصة منها استقالة رئيس الجمهورية السابق كفيلة بأن تدفع كل الأعضاء المعينين إلى الاستقالة.

اختصاصات رئيس الدولة فيما يتعلق بإحداث هيئة وطنية جماعية مستقلة لتنظيم الانتخابات ومراقبتها

كانت الهيئة المستقلة للانتخابات وعلى ما يعتريها من عيوب تمثل على الأقل نظريا إحدى ضمانات الانتخابات إلا أنها لم تعد جاريا العمل بها بعد أن ألغى الرئيس المستقيل بموجب المرسوم الرئاسي رقم 19-94 المؤرخ في 11 مارس 2019 المراسيم المتضمنة تعيين رئيس وأعضاء الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات. هناك إذن مطالب بتأسيس هيئة مستقلة تنظم الانتخابات وتشرف عليها وتراقب عملياتها لغاية نتائجها النهائية. وقد احتلت هذه الهيئة مكانا مميزا في أول خطاب للسيد رئيس الدولة تحت تسمية ” هيئة وطنية جماعية سيدة في قراراتها” تحدث “بالتشاور مع الطبقة السياسية والمدنية المواطنية” تعهد لها مهمة توفير الشروط الضرورية لإجراء انتخابات وطنية شفافة ونزيهة والاضطلاع بالتحضير لها وإجرائها ” “على أن يتم إعداد العدة القانونية ذات الصلة بهذه الهيئة الوطنية وصياغتها في أقرب الآجال”.

ثارت في الآونة الأخيرة تساؤلات عما إذا كان ممكنا الاستجابة الكاملة لهذه المطالب في ظل الأحكام الدستورية المتعلقة بهذه الهيئة وبالذات المادتين 193 و194 من الدستور اللتين يمكن ألا تتيحا تحقيق ما يطمح إليه الشعب من خلالها كما حددها الدستور في تشكيلتها وفي اختصاصاتها.

وتعود المشكلة أولا إلى أنه من غير الممكن في المرحلة الانتقالية تعديل الدستور فالمادة 104 تمنع صراحة على من يتولى رئاسة الدولة المبادرة بتعديل الدستور (تطبيقا للمادتين 208 و210) بل وتمنع تطبيق المادة 211 التي وفقا لها “يمكن ثلاثة أرباع (3/4) أعضاء غرفتي البرلمان المجتمعين معا، أن يبادروا باقتراح تعديل الدستور على رئيس الجمهورية…”.

لكن هذه المشكلة يمكن أن نجد لها حلا أولا في نص المادة 194 من الدستور المحرر في عبارات واسعة ومطاطة بحيث تسمح بإعطاء الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات سلطات واسعة من شأنها أن تشكل ضمانة أساسية لشفافية الانتخابات ونزاهتها. فطبقا لهذه المادة ” تسهر اللجنة العليا على شفافية الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية وكذا الاستفتاء ونزاهتها،  منذ استدعاء الهيئة الناخبة حتى إعلان النتائج المؤقتة للاقتراع“. بل يمكن أن نجد لها حلا قبل ذلك في نص المادة 193 من الدستور التي وفقا لها “تُلزم السلطات العمومية المكلفة بتنظيم الانتخابات بإحاطتها بالشفافية والحياد“.

كما يمكن أن نجد لهذه المشكلة حلا أيضا في المادتين 193 و194 من الدستور سابقتي الذكر من حيث أنهما أي المادتين تحيلان صراحة لتطبيقهما على القانون العضوي مما يستلزم إعادة النظر في القانون العضوي رقم 16-10 المؤرخ في 25 أوت 2016 المتعلق بنظام الانتخابات والقانون العضوي رقم العضوي رقم 16-11 المؤرخ في 25 أوت 2016 المتعلق بالهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات. وإعادة النظر في القانونين العضويين المذكورين جزئيا أو حتى كليا ممكن أن تتم تحت إشراف الحكومة ورئيس الدولة، فالمادة 104 من الدستور لا تضع أي تضييق في هذا المجال. ومن حيث الموضوع يكون ذلك أولا بتحويل سلطات هي حاليا من اختصاص الإدارة وذات تأثير مباشر على العملية الانتخابية وضمها لاختصاصات هذه الهيئة كما هي محدثة بموجب القانون العضوي الجديد الذي يستحسن أن يعيد تنظيم الموضوع من جديد فيلغى القانون العضوي السابق رقم 16-11 ضمنيا أو حتى صراحة. كما يجب أن يتضمن القانون العضوي الجديد المتعلق بالهيئة كل ما من شأنه توسيع ضمانات شفافية الانتخابات ونزاهتها دون أن يؤثر ذلك على الأحكام الدستورية ذات الصلة بالموضوع. وبقليل من الجهد الفكري القانوني يمكن تحقيق ذلك أي الانسجام بين أحكام القانون الوضعي الجديد والأحكام الدستورية التي اتخذ في إطارها لا سيما المادتين 193 و194 من الدستور سابقتي الذكر، والتي تضاف إليهما في تأشيرات هذا القانون الوضعي المادة 7 من الدستور. وبالفعل يمكن تحقيق ذلك طالما أن تعديلات القانونين العضويين المذكورين تنطوي على إضافات مفيدة لعمل الهيئة المكلفة بمراقبة الانتخابات ومستجيبة للإرادة الشعبية السيدة المستمدة من المادة السابعة (7) من الدستور سابقة الذكر، دون إحداث أي تغيير في الأحكام الدستورية المذكورة.

ملاحظة ختامية: إذا تمت في الأيام القليلة القادمة، وبالاحترام الكامل للشرعية الدستورية والاستجابة الواسعة للشرعية الشعبية بالاستناد عند الاقتضاء للمادة 7 من الدستور، كل هذه التغييرات على مستوى الحكومة والمجلس الدستوري وتبعتها تدابير استعجالية من أجل وضع الإطار الملائم لعمل الهيئة العليا لتنظيم الانتخابات والإشراف المباشر عليها بما يضمن شفافيتها ونزاهتها فإن الطريق يكون ممهدا لاسترجاع ثقة الشعب. وستزداد هذه الثقة بتسليم رئيس الدولة الحالي لرئيس المجلس الدستوري الجديد المختار بالتوافق مهمة تولي رئاسة الدولة لفترة أخرى يمكن أن تمتد ل 90 يوما يستكمل فيها تنظيم انتخاب رئيس الجمهورية الجديد الذي يشرع فور انتخابه في إصلاحات عميقة يكون محركها مؤتمر وطني جامع يتولى إعداد مشاريعها وفي المقدمة الدستور الجديد للجمهورية الجزائرية الحرة الديمقراطية.

*بروفيسور عبد المجيد زعلاني

أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق جامعة الجزائر

خبير دولي في مجال حقوق الإنسان

abdelmadjidzaalani@gmail.com

ملاحظة: ما ينشر من مساهمات لا يعبر بالضرورة على رأي الموقع